ابن خلدون

248

تاريخ ابن خلدون

تونس وصلحت الأحوال ثم إن ابن غانية لما تغلب على المهدية وعلى قراقش الغزي صاحب طرابلس وقد مرت اخباره في أخبار ابن غانية ثم تغلب على بلاد الجريد ثم نزل تونس سنة تسع وتسعين وافتتحها عنوة وتقبض وطالب أهل تونس بالنفقة التي أنفق وبسط عليهم العذاب وتولى ذلك فيهم كاتبه ابن عصفور حتى هلك في الامتحان كثير من بيوتاتهم ثم دخل في دعوته أهل موته وتسررت وسعارمة والأرض والقيروان وسبتة وصفانس وقابس وطرابلس وانتظمت له أعمال إفريقية وفرق العمال وخطب للعباسي كما ذكرناه في أخباره ثم ولى على تونس أخاه الغازي ونهض إلى جبال طرابلس فأغرمهم ألف ألف دينار مكررة مرتين ورجع إلى تونس واتصل بالناصر كثرة الهرج بإفريقية واستيلاء ابن غانية عليها وحصول السيد في قبضته فشاور الموحدين في أمره فأشاروا بمسالمة ابن غانية وأشار أبو محمد بن الشيخ أبى حفص بالنهوض إليها والمدافعة عنها فعمل على رأيه ونهض من مراكش سنة احدى وستمائة وبعث الأسطول في البحر لنظر أبى يحيى بن أبي زكريا الهزرجي فبعث ابن غانية ذخيرته وحرمه إلى المهدية مع علي بن الغاني ابن محمد بن علي وانتقض أهل طرابلس على ابن غانية وأخرجوا عاملهم تاشفين بن الغاني ابن محمد بن علي بن غانية وقصدهم ابن غانية فافتتحها وخربها ووصل أسطول الناصر إلى تونس فدخلوها وقتلوا من كان بها من اتباع ابن غانية ونهض الناصر في اتباع ابن غانية فأعجزه ونازل المهدية وبعث أبا محمد بن الشيخ أبى حفص للقاء ابن غانية فلقيه بتاجرا فأوقع به وقتل جبارة وكاتبه ابن اللمطي وعامله الفتح بن محمد قال ابن نحيل وكانت الغنائم من عسكره يومئذ ثمانية عشر ألفا من أحمال المال والمتاع والخرثي ولآلة ونجا بأهله وولده فأطلق السيد أبا زيد من الاعتقال بعد أن هم حرسه بقتله عند الهزيمة ثم تسلم الناصر للمهدية من يد علي بن الغازي المعروف بالحاج الكافر على أن يلحق بابن عمه فقبل شرطه ومضى لوجهه ثم رجع من طريقه واختار التوحيد فناله من لكرامة والتقريب مالا فوقه وهلك في يوم العقاب الآتي ذكره ثم فرض الناصر على المهدية واستعمل عليها محمد يغمور الهرغي وعلى طرابلس عبد الله بن إبراهيم بن جامع ورجع إلى تونس فأقام إلى سنة ثلاث وستمائة وسرح أخاه السيد أبا إسحاق في عسكر من الموحدين لاتباع العدو فدوخوا ما وراء طرابلس واستأصلوا بنى دمر ومطماطة وجبال نفوسة وتجاوزوها إلى سويقة بنى مذكور وقفل السيد أبو إسحاق بهم إلى أخيه الناصر بتونس وقد كمل الفتح ثم اعتزم على الرحيل إلى المغرب وأجمع رأى على تولية أبى محمد ابن الشيخ أبى حفص وكان شيخ دولته وصاحب رأيه فامتنع إلى أن بعث إليه الناصر في ذلك بابنه يوسف فأكبر مجيئه وأناب لذلك على أن يقيم بإفريقية